أنور منصور الجرمقاني… رجلٌ استثنائي، كُتبت سيرته بالفعل لا بالقول، وبالعطاء الذي فاض في حياته واستمر بعد وفاته. لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح في المغتربات منذ ما قبل سبعينيات القرن العشرين، بل كان إنساناً حمل همّ مجتمعه أينما كان، فبقي مرتبطاً بمدينته صلخد ومحافظة السويداء، حاضراً في تفاصيل حياتهم، قريباً من حاجاتهم، وسنداً حقيقياً لهم.
هاجر شاباً طموحاً، فحقق نجاحاً لافتاً في أعماله، لكنه لم ينفصل يوماً عن جذوره. رعى تعليم المئات من الطلاب الفقراء، وفتح أمامهم أبواب المستقبل حتى المرحلة الجامعية، كما لم يتوانَ عن دعم الأسر المحتاجة في صلخد وسائر مناطق المحافظة، مقدماً المساعدات المالية والغذائية لسنوات طويلة دون انقطاع.
ومن أبرز محطاته الإنسانية دعمه الكبير لجمعية مرضى السرطان في السويداء منذ انطلاقتها عام 2007، حيث كان له الدور الأبرز في تثبيت عملها وتفعيل نشاطها. فقد تكفّل بشراء مقر الجمعية، وقدّم باصاً حديثاً مكيّفاً لنقل المرضى إلى دمشق للعلاج بشكل دوري، كما التزم بدعم مالي شهري استمر حتى عام 2014، وبلغ مجموع مساهماته قرابة مئة ألف دولار. وبعد وفاته عام 2021، واصلت أسرته هذا النهج الكريم، محافظةً على استمرار العطاء.
وكان أيضاً صاحب المبادرة في إطلاق فكرة إنشاء مشفى الشفاء الخيري لعلاج مرضى السرطان، وهو مشروع إنساني كبير تم إنجاز جزء من بنيته قبل أن تتوقف الأعمال نتيجة الظروف الصعبة التي تمر بها المحافظة. وفي المجال التعليمي، دعم سنوياً ما يقارب 350 طالباً جامعياً عبر منح مقدّمة من خلال الهلال الأحمر العربي السوري – فرع السويداء، إلى جانب دعمه المستمر للأسر الفقيرة عبر مختلف أشكال المساعدة.
وفي المحطات الوطنية الصعبة، كان حاضراً بقوة، حيث وقف إلى جانب أسر الشهداء والجرحى إثر أحداث 25 تموز 2018 في قرى المقرن الشرقي وبعض القرى الشمالية، مقدماً دعماً مادياً امتد لعام كامل، إضافة إلى مساهمة كبيرة بلغت مئة ألف دولار لمساعدة المتضررين على تجاوز محنتهم.
أما في لبنان، موطن عائلته القديم، فقد ترك بصمات إنسانية واسعة منذ سنوات الحرب الأهلية عام 1975، حيث قدّم دعماً كبيراً، غالباً بشكل مستور، انطلاقاً من إيمانه العميق بوحدة طائفة الموحدين الدروز. دعم المؤسسات الاجتماعية والصحية والتربوية، من المؤسسة الدرزية للرعاية الاجتماعية إلى المستشفى والمؤسسات التعليمية، وأسهم في رعاية أسر الشهداء والطلاب المتفوقين، إضافة إلى دعمه للمستشفيات ودور المسنين والمدارس التوحيدية ودار الطائفة الدرزية في بيروت.
وامتد عطاؤه إلى خلوات البياضة وبيوت الأيتام، في لبنان والسويداء، حيث ساهم في ترميم وتجهيز المؤسسات، وتأمين احتياجاتها بشكل دوري دون طلب أو مقابل. كما دعم جمعية الهلال الأحمر في السويداء، وأسهم في تطوير دورها الصحي والإنساني، بالتعاون مع كوادرها، حتى أصبحت نموذجاً مميزاً على مستوى القطر.
ولم تقتصر مواقفه على الدعم المادي، بل تجلت أيضاً في مواقف إنسانية شجاعة، إذ سعى لحل قضايا معقدة ومساعدة أشخاص في ظروف صعبة بدافع الشهامة، حتى أنه حضر من نيجيريا خصيصاً للمساعدة في قضية إنسانية، ونجح في ذلك.
كما كان ضمن وفد رسمي رافق رئيس نيجيريا في زيارة إلى سوريا، في خطوة عكست مكانته وعلاقاته الواسعة.
هذه الصفحات ليست إلا غيضاً من فيض سيرة حافلة بالعطاء… سيرة رجل آمن بأن الخير فعلٌ مستمر، وأن أثر الإنسان الحقيقي يُقاس بما يتركه في حياة الآخرين


