تمرّ الأيام وتتوالى السنون، لكنّ القلوب لا تزال تنبض بالوفاء والحنين إلى ذلك الطّود الأشمّ، والنور التوحيديّ الأنيس الذي ملأ الآفاق حكمةً وورعاً وسكينة. في مثل هذه الأيام من شهر تشرين الأول، نستحضر ببالغ الإجلال والخشوع ذكرى انتقال سيّد الجزيرة وشيخ العشيرة، المكمّل لمسيرة السّالفين من أهل التقى، جدّنا ومرجعنا الروحيّ الشّيخ أبي يوسف أمين طريف (طيّب المولى ثراه وأدام علينا بركة ذكراه).

لقد كان رحيل سيادة الشّيخ في الثاني من أكتوبر عام 1993 حدثاً نُكّست له الأعلام والقلوب، ومثّل غيابه فراغاً كبيراً لا يزال يقضّ المضاجع؛ فقد كان رحمه الله مدرسةً قائمة بذاتها في التوحيد، والزهد، وصدق العزيمة، ونقاء السيرة. قاد الطائفة بحكمة بالغة وثبات راسخ على مدى نحو سبعة عقود، وعاش عمراً ناهز الخامسة والتسعين عاماً قضاه كاملاً في طاعة الله، وخدمة أبناء بني معروف، وصيانة مقدساتهم، والحفاظ على وحدة كلمتهم وصون هويّتهم عبر الحدود والبلدان، مدافعاً عن السلم والأمان دون تفرقة أو عنف.

إنّ ما تركه سيّدنا الشيخ أبو يوسف ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو موروث توحيديّ متجذر يُستضاء به في عتمات الزمان. لقد كان المجتهد الأول الرّئيس، والطاهر الباهر الزاهر، والجوهر النادر الفاخر، الذي حظي بمحبة واحترام الجميع من قادة، ومشايخ، وعامة الناس، لِما خصه به رب العالمين من كرامات ورؤية ثاقبة وبعد نظر.

رحم الله سيّد الجزيرة، ونفعنا ببركاته ورضوانه، وأسكن روحه الطاهرة فسيح جنانه. ستبقى "سِفْرَ التُّقَى" ومنارة الهدى التي لا تنطفئ.