تزخر الذاكرة السياسية العربية بشخصيات تركت بصمات لا تُمحى في مسيرة العمل القومي والفكري، وشكّلت محطات فارقة في تاريخ المنطقة الحديث. ومن بين هذه القامات البارزة يبرز اسم المفكر والسياسي السوري شبلي يوسف حمد العيسمي، الأمين العام السابق لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي عاصر مخاضات الأمة العربية، وشارك في صياغة أحد أبرز تياراتها السياسية، ليدفع طوال حياته ضريبة مواقفه وثباته على مبادئه بين السجون، المنافي، والترحال.
ولد شبلي العيسمي في الخامس من فبراير عام 1925 في قرية أمتان التابعة لمحافظة السويداء وبدأت رحلته السياسية مبكراً حيث انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1943، وكان من الرعيل الأول الذين حضروا مؤتمره التأسيسي التاريخي عام 1947، مما جعله أحد المؤسسين الحقيقيين للحزب وعضواً بارزاً في قيادته القومية. وتدرج العيسمي في المناصب الحزبية والسياسية نظراً لثقله الفكري، فأصبح عضواً في القيادة القطرية للحزب عام 1956، ثم أميناً عاماً مساعداً له منذ عام 1964 وحتى عام 1992، وتولى الأمانة العامة بالوكالة في بعض المراحل.
ولم تكن مسيرته مفروشة بالورود، إذ اعتقل ثلاث مرات لأسباب سياسية في الفترة ما بين 1952 و1966. وخلال الحقبة الممتدة بين عامي 1963 و1966، تولى حقائب وزارية رفيعة في سوريا، شملت وزارة الإصلاح الزراعي، وزارة التربية والتعليم، ووزارة الثقافة والإرشاد القومي، ثم أصبح نائباً لرئيس الدولة. وبعد الانقلاب العسكري ووصول حافظ الأسد ونظامه إلى السلطة، نجح العيسمي في الهروب من السجن في آب 1966 متوجهاً إلى لبنان، ومنه انتقل إلى بغداد في أيلول 1968، ليصدر النظام السوري بحقه حكماً غيابياً بالإعدام، خُفف لاحقاً إلى السجن المؤبد بعد حوالي عام.
أقام العيسمي في العراق لسنوات طويلة، وظل فيها حتى دخول القوات الأمريكية عام 2003، حيث غادرها متوجهاً إلى مصر للاستقرار فيها. وفي ربيع عام 2011، وبعيد اندلاع الثورة السورية، حطّت فصول مأساته الإنسانية في لبنان؛ فخلال زيارة عائلية لابنته المقيمة في بلدة عاليه بجبل لبنان، قامت مخابرات النظام السوري باختطاف الشيخ الثمانيني (ابن الـ 88 عاماً)، ونقلته المجموعة المكلّفة بالخطف إلى أحد الأماكن الخاضعة لسيطرة حزب الله اللبناني، قبل أن يتم ترحيله قسراً إلى دمشق، لينقطع أثره منذ ذلك الحين.

ورغم هذا المشهد المأساوي، ترك العيسمي مكتبة فكرية غنية ركزت على قضايا الوحدة العربية، العلمانية، والهوية؛ حيث أصدر مؤلفات بارزة منها: “حول الوحدة العربية” عام 1957، وكتاب “محافظة السويداء” بالاشتراك مع آخرين عام 1959، و”في الثورة العربية” عام 1968، و”الوحدة العربية من خلال التجربة” عام 1971. كما أرّخ للحزب في كتابه “حزب البعث العربي الاشتراكي – المرحلة التأسيسية” عام 1974، وأتبعه بكتاب “بعض القضايا العربية” عام 1975، و”في الوحدة والحرية والاشتراكية” عام 1976، و”حول الوحدة والتضامن والتسوية” في العام ذاته، ثم “رسالة الأمة العربية” عام 1978، و”حزب البعثحزب البعث العربي الاشتراكي – مرحلة النمو والتوسع” عام 1979، وصولاً إلى كتابيه الهامين “عروبة الإسلام وعالميته” عام 1985، و”العلمانية والدولة الدينية” عام 1986. إلى جانب ذلك، رفد المكتبة العربية بمحاضرات مطبوعة وقيمة، منها: “دور الأحزاب العقيدية وأثرها في تطور الأمة” (دمشق 1954)، وتاريخ البعث فكر ونضال
(بغداد 1976)، ومقومات الوحدة وآفاق المستقبل (بغداد 1978)، و”أسلوب الحوار الديمقراطي” (بغداد 1984)، و”العرب مادة الإسلا (بغداد 1984)، وأخيراً وحدة سوريا ومصر: دروس وعبر عام 1985.
إن سيرة شبلي العيسمي تختزل في طياتها تفاصيل صراع جيل كامل آمن بالوحدة العربية وعمل لأجلها. ورغم غيابه القسري الغامض وتعدد منافيه، فإن الإرث الفكري والسياسي الذي خلفه وراءه يظل شاهداً حياً على فكر رجل لم يساوم على مبادئه، لتبقى قصته فصلاً تراجيدياً وملهماً في آنٍ واحد من تاريخ سوريا والوطن العربي الحديث.
#kayan24

