في بلدة “القريا” في السويداء ، ثمة حكاية تسمو فوق حدود الطب لتلامس القداسة الإنسانية. هي حكاية الدكتور #حمود_قطيش، الرجل الذي لم يتغير مكان إقامته ولا عيادته المتواضعة رغم شعبيته الكبيرة التي ملأت أرجاء محافظة السويداء
منذ لحظة تخرجه في جامعة موسكو عام 1980، وضع الدكتور حمود ميثاقاً غير مكتوب مع أهله؛ فكان الطبيب الذي لا يُغلق بابه، والصديق الذي يسبق دواءه بابتسامة تزرع الطمأنينة في نفوس المتعبين. يلقبه أبناء بلدته بـ (صاحب الأيادي البيضاء) ليس لمجرد براعته المهنية، بل لأنه حوّل الطب من (مهنة) إلى (رسالة) تجدها متأهبة في كل الأوقات، سواء في العيادة، أو في زياراته المنزلية لكبار السن الذين يقصدهم بقلبٍ مفتوح قبل حقيبته الطبية.
المفارقة الكبرى في سيرة هذا الحكيم، تجلت حين حزم حقائبه وسافر إلى أوروبا لزيارة أبنائه. هناك، حيث الهدوء والرفاهية والراحة بعد عقود من التعب، لم يستطع “قلب الحكيم” المكوث أكثر من شهرين. كان يشعر بخيوط خفية تشده نحو بيوت القريا، ونحو مرضى ينتظرون طلته لتخفيف آلامهم. عاد تاركاً خلفه راحة الجسد ليختار تعب الضمير والمسؤولية، مضحياً بلقاء أبنائه ليكون بجانب “عائلته الكبرى” التي تؤمن به وتنتظره.
في عيادته التي تستقبل يومياً ما يزيد عن عشرين مريضاً، تسقط كل الحواجز المادية. فبالرغم من الظروف الاقتصادية القاسية، لا تزال أجور المعاينات رمزية جداً، وكثيراً ما تتحول إلى “مجانية” تماماً لمن لا يملك ثمن العلاج، بل ويسعى جاهداً عبر شبكة علاقاته لتأمين الدواء المجاني للمحتاجين.
يؤمن الدكتور حمود بمبدأ أخلاقي صارم: “أن التعامل مع المريض وكسب ثقته وتعزيز حالته النفسية هو نصف الطريق نحو الشفاء”. وبالنسبة له، فإن دقائق معدودة قد تقرر مصير إنسان، لذا لا مكان للمماطلة أو الأهداف المادية في قاموسه.
إن قصة الدكتور حمود قطيش هي رسالة لكل من يظن أن النجاح يُقاس بالأرصدة البنكية؛ فهي تثبت أن النجاح الحقيقي هو أن تصبح جزءاً من نبض الناس، وأن يظل اسمك مرتبطاً بالأمل والوفاء في أصعب الأوقات.


